ردا على مقال عبدالمجيد الساحلي في العدد الرابع

صالح المهدي يطلق النار ويوجه أصابع الإتهام

 عملا بحق الرد الذي يعتبر احترامه زيادة عن المقتضيات القانونية ، أمرا يندرج ضمن أخلاقيات المهنة الصحفية ، وهي إحدى المهن القليلة الخاضعة لأخلاقيات مضبوطة تبرز نبلها وضرورة الإلتزام بأخلاقها نورد في ما يلي ردا وصلنا من الأستاذ الكبير المفكر والفنان الدكتور صالح المهدي أحد جهابذة الفن الموسيقي والغنائي في عصرنا هذا ، والذي قدم للمكتبة الموسيقية والغنائية التونسية روائع خالدة سوف يتواصل انتشارها على مدى الزمن:

صدر في مجلة "المغرب الموحد " المحترمة وفي عددها الرابع بتاريخ (نوفمبر ديسمبر جانفي 2009) مقال بإمضاء عبدالمجيد الساحلي عنوانه " المألوف جذوره أندلسية وظلاله مغاربية" ، وهو عنوان ندوة كنت توليت شخصيا تنظيمها مع زملاء من المغرب والجزائر والجماهيرية الليبية وتونس، وخلال هذه الندوة برز اتفاق إجماعي  على أن نصيب الأندلس لا يتجاوز واحد من عشرة بالنسبة للكلمات  فيما إن الألحان خاصة بكل قطر من الأقطار المغاربية ، وإذ تم عقد هذه الندوة في مدينة الرباط فقد سجلت الإذاعة المغربية كل فعالياتها، كما نشرت الصحف والمجلات في كل الأقطار المغربية مقالات عنها وعن مضامينها.

وأمام إلحاح عدد من الأصدقاء والزملاء للرد على الكاتب ومحاولاته طمس حقائق معروفة ومعلومة في محاولة يائسة للنيل من شخصي وغمط حقي بشأن مساهماتي التي لا تنكر في إثراء هذا التراث، و ما ذهب إليه من مغالطات و قلب للحقائق غير محتمل، فإني أود أولا القول أن الكاتب كان تلميذا لي في مدرسة الفنون الشعبية والتي خرج منها دون أن يحصل على أي شهادة  ، فانتقل لما يسميه بالنقد الفني في الصحافة وانطلقت سهامه بلا سبب نحو شخصي.

وإني لأربو بقلمي على أن يتعرض لما حصل بينه وبيني في حلبة العدالة إزاء تكرار هجوماته بداية واستئنافا وتعقيبا وما ناله من جزاء يستحقه، وقررت بعد ذلك أن لا أرد عليه مستقبلا فعملي وإنتاجي وشهرتي تدافع  بنفسها عن نفسها ، ولكن بلغ السيل الزبى هذه المرة بحيث أعمد هنا إلى هذا الرد، الذي تكرم المدير رئيس التحرير الأستاذ إسماعيل بولحية بنشره.

ولعل من أول ما أبدأ به أن هذا الشخص بلغ به الأمر  والحقد إلى حد نسبة أعمال لي معروفة ويعرف القاصي والداني أنها من إنتاجي إلى إحدى الشخصيات الفنية المعروفة والتي يصفها بالعملاقة ويبوؤها مكانة العمادة في الفن وهي تستحق ذلك ، ولا شك فينسب لها أعمالا لي شخصيا ، موهما من لا يعرف بأن تلك حقائق قد تنطلي على البعض. والذين اتصلوا بي بعد قراءة الموضوع في المجلة المحترمة وتنبيهي إلى مضمونه دفعوني دفعا لاستعمال حق الرد هذه المرة "حفاظا على مكانتي وصونا لإنتاجي ودفعا للكذب والبهتان".

لقد انتحل الكاتب ما جاء بكتبي ونشره دون ذكر المصدر ودون إذني كما تقتضي الأصول، وادعى أن عدد النوبات بلغ 24 نوبة ولم يورد أي دليل علمي على قوله ، ونوه ببلادنا في الحفاظ على التراث، وتحاشى ذكر أسماء القائمين بذلك .

وفي خلاصة شديدة وإفادة للسادة القراء بالمناسبة فإني أعود إلى ما أقدمت عليه إدارة المعارف( وزارة التربية في الفترة الإستعمارية) من استقدام الشيخ علي الدرويش من حلب لإلقاء دروس في مكتبة العطارين وتولى ترقيم  نوبات العراق والأصبعين والحسين وقد بثت الإذاعة التونسية الوليدة آنذاك دروسه ونوباته كما عمد إلى ذلك لاحقا في الشام، وعند تأسيس الرشيدية سنة 1934 برئاسة الأستاذ مصطفى صفر ، تولى  الأخير تأسيس فرقة من المحترفين قدمت عدة حفلات بقيادة محمد الأصرم، ، وعند وفاة رئيس المعهد الرشيدي مصطفى صفر ، انتخب عوضا عنه مصطفى الكعاك الذي سيتولى لاحقا الوزارة الأولى ، فتم التركيز على جمع التراث وتولت ذلك لجنة متعددة الأطراف ، تتألف من خميس الترنان كرئيس  يساعده شقيقي  المرحوم عزالدين الشريف الذي استقر لاحقا في الولايات المتحدة حيث أتم دراسته واشتغل فيها وبعضوية علي بانواس والصادق الفرجاني والمنوبي بوحجيلة  وكلف الفنان محمد التريكي بالكتابة الموسيقية بين 1943 و1949، و حين  انتقاله للعمل بالجزائر توليت شخصيا تعويضه وعهد لي بالإدارة الفنية للمعهد بما فيها الكتابة الموسيقية وكلفت الحبيب العامري بكتابة المسودة الموسيقية لجمال خطه، وفي 1957 بعيد الإستقلال دعيت من قبل  وزير التعليم الأستاذ الأمين الشابي لتولي منصب رئيس مصلحة الفنون الجميلة وتحول معهد الموسيقى الرسمي  إلى معهد وطنى للموسيقى والرقص والتمثيل  وتمت تونسته ، وتوليت القيام بأعمال كبرى في شأن معاضدة العمل الذي قام به المعهد الرشيدي بعمل رسمي يستند إلى إمكانيات الدولة وأحصينا النوبات والفروق بين تونس والجزائر والمغرب وليبيا  في النوبات كما تختلف النوبات أحيانا بين مناطق البلد الواحد، وهي كلها معطيات سنفرد لها مقال آخر. كل ذلك بالتعاون مع جميع حفاظ المالوف من كامل أنحاء الجمهورية وبحضور وفود من كل أقطار المغرب العربي.

كل هذا للتدليل على دورنا لا فقط في الإبداع الذي يشهد به الجميع ، ولكن في تأطير الجهد الوطني والمغاربي  لجمع التراث من المالوف وغير المالوف وتبويبه وتقسيمه.

ولا بأس هنا من التذكير بمساهماتي التي أغفلها الكاتب قصدا وعمدا  بالنسبة لتونس في هذا المجال ، فقد سجلت مقامات لنوبات الشيخ محمد الظريف المتوفي سنة 1385  ىميلادية في قصيد الناعورة  بتأليفه ناعورة الطبوع ، كما قمت بحفظ جميع المقامات في مقام النوى ضمن النشرة الثالثة من التراث الموسيقي التونسي في بحث "النوبة ، ويشمل التراث التونسي 13 نوبة زاد عليها خميس الترنان نوبة مقام النهاوند وطلب مني المشاركة في تأليف معزوفاتها ، ثم إني توليت بدوري أربع نوبات في مقامات العجم عشيران وغيرها وسجلت ثلاث منها في الإذاعة التونسية وكانت الثانية  محل دراسة بجامعة حلوان المصرية ونشرت بإحدى دورياتها.

إن الإغفال المقصود في مثل هذه الأحوال من ورائه قصد ، والله أدرى ما قصد المعني فهو لا يفعل ذلك لوجه الله، وعدم ذكر اسمي على دوري المكثف في جمع التراث ونشره  إنما ينطلق من سوء نية واضح.

وأود أن أوضح هنا أن النشرة الأولى من التراث تفردت بمقدمة حبرها الوزير محمود المسعدي بوصفه مثقفا مدركا وبوصفه يمثل سلطة الإشراف سواء على مصلحة الفنون المستظرفة آنذاك أو بوصفه سلطة الإشراف على المعهد الوطني للموسيقى والرقص الذي أسهم مساهمة كبيرة بجهود عظمى في حفظ ونشر الفنون جميعا ، وتنمية الذوق العام بتخريج أفواج عديدة من رجال وسيدات الموسيقى والرقص.

ولعل الكاتب عزف عن قراءة النص الذي قدمت به تلك الأعمال في النشرة الأولى المومإ  إليها أعلاه بوصفي مديرا لمعهد الموسيقى والفنون الشعبية ، ووصل الأمر إلى حد نسبة بقية النشرات التي أشرفت عليها شخصيا وتوليت إصدارها  إلى الأستاذ محمد التريكي الذي أكن له تقديرا كبيرا رحمه الله ولا أظنه يرضى بنسبة أشياء لم يقم بها لشخصه العبقري. وقد تولى جمع التراث من المالوف جمع من تلاميذي التحق بهم محمد التريكي في كتابة نوبة واحدة هي نوبة الذيل التي تم نشرها بخط يده

وحتى يعرف الكاتب فقد كان يتبع إدارتي مكتب يجمع عددا من الفنانين بإشرافي من بينهم  جلول عصمان والنوري الرباعي وخالد بسه ومحمد التريكي الذي نظرا لكفاءاته العالية فقد كلفته شخصيا بكتابة نوبة الإصبهان ، وقام أحد تلاميذي محمد علية وبقية أعضاء المكتب بتحرير النشرة الأولى ومعهم الآنسة عبد المولى، هذه الحقائق أسوقها للقراء ، ومعها أضيف أن أسفار التراث الموسيقي التونسي موجودة ومتوفرة ، وهي متاحة لكل من يريد أن يطلع عليها ،  وسيلاحظ اختلاف كتابتها ، وسيرى الدارس أنها ممضاة من قبل محمد الحبيب والدكتور بلحسن فرزة والدكتور صالح المهدي ، وأن الأستاذ محمد التريكي لم يكتب بحثا واحدا عكس ما يدعي الكاتب في آخر النص بالصفحة 54 من المقال المذكور من أن كل الأسفار كانت بإمضائه، ، ولمن يمعن النظر بمن فيهم الكاتب سيتأكد أنه لم ينتج من النوبات الحديثة إلا خميس الترنان ، وصالح المهدي ، وليتأكد أن النوبة ليس فيها الدنس الذي يدعيه الكاتب ، وأن كلمة هلس المستعملة تعني المرح لا الدنس وأن جميع النوبات يتم اختتامها بالتوحيد بالله عسى أن يبعد عنا المغالطين.

وإني لآسف لعدم البر بوعدي في الإمتناع عن الرد ولكن في هذه المرة طفح الكيل.

والله الهادي للخير والحق.