علال الفاسي
يعتبر علال الفاسي أحد أكبر قادة الحركة التحريرية في المغرب العربي وفي المنطقة العربية، وكذلك في إفريقيا، إلى ذلك فهو مثقف كبير ورجل سياسة، اشتهر بزهده في الحكم ، وإن كان له نفوذ واسع، باعتباره كان زعيم أكبر حزب في المغرب وهو حزب الإستقلال.
وباعتماد موسوعة ويكيبيديا الحرة ولو بتصرف قليل أو كثير فقد وجدنا ضالتنا للإحاطة بالرجل.
وعلال الفاسي هو أحد أعلام الحركة الإسلامية الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين، التي دعت إلى نوع من السلفية التجديدية لذلك يترافق اسمه مع أسماء مثل : محمد عبده ورشيد رضا، والطاهر بن عاشور.
وقد ولد علال الفاسي في مدينة فاس في جانفي سنة 1910 من أسرة عربية مسلمة هاجرت من الأندلس إلى المغرب، واستقرت في مدينة فاس، يقال لعائلته : الفاسي، وأحياناً: الفهري، نسبة إلى قبيلة بني فهر، فأبوه عبد الواحد كان من كبار علماء المغرب، وكان مدرساً في جامعة القرويين، وكان قاضياً، ومفتياً، وكذلك كان أجداده من العلماء والقضاة والمجاهدين.
حياته وأعماله
هو مؤسس حزب الاستقلال، وبطل النضال الزعيم السياسي والمقاوم الصامد الأستاذ الخطيب الأديب محمد علال ابن العلامة الخطيب المدرس الكاتب المفتي عبد الواحد ابن عبد السلام بن علال الفهري نسبا، القصري ثم الفاسي مولدا ودارا ومنشأ.
ينحدر من عائلة عربية عريقة نزحت من موطنها بديار الأندلس إلى المغرب الأقصى فرارا بدينها وعقيدتها من محاكم التفتيش الإسبانية واستوطنت مدينة القصر الكبير زمانا وبعدها مدينة فاس تحت اسم بني الجد واشتهرت بآل الفاسي الفهري. يحسب لهذه العائلة دورها التاريخي الكبير في إعلاء راية الإسلام إبان معركة وادي المخازن تحت راية الدولة السعدية, حيث كانت استعانة السلطان أحمد المنصور الذهبي بالشيخ أبي المحاسن يوسف الفاسي الفهري النازل حينها ببلاد القصر الكبير ودعوة هذا الأخير أتباعه المريدين للجهاد إلى جانب السعديين ضد التحالف الإسباني البرتغالي آنذاك, حيث كانت النصرة في الأخير لأهل المغرب في ملحمة عظيمة دوى صيتها مشارق الأرض ومغاربها سميت بعدها بمعركة الملوك الثلاثة، هذه المعركة التي أمدت المغرب بشكل من الهيبة والوقار وجعلت من مؤسسته العسكرية جهازا يصعب النيل منه ومكنت الجيش المغربي آنذاك من بلوغ درجة مرتبة الجيوش التي لا تقهر, وقد استمر ذلك حتى بعد سقوط السعديين إلى أن شاءت الأقدار أن تنكسر شوكة أهل المغرب على يد المستعمر الفرنسي الذي استطاع أن يفرض نوعا من الحماية والاستعمار ولأول مرة على أهل المغرب الأقصى.
لقد عرفت هذه العائلة الشهيرة بعلاقتها مع الدولة السعدية وبحكم هذه العلاقة الوطيدة كانت هجرة أفرادها إلى فاس عاصمة الملك, حيث استمروا في تأدية رسالتهم العلمية بها بعد تأسيس زاويتهم المعروفة بهم بحي المخفية على يد الشيخ أبي المحاسن يوسف الفاسي, وكذا زاويتهم الثانية بحي القلقليين على يد الشيخ عبد القادر الفاسي.
. بعد انتهاء حكم السعديين بالمغرب ومروره بعدة أزمات سياسية واقتصادية كان منها إفلاس بيت المال وعدة مشاكل أدت إلى تدهور كبير على الصعيد الإجتماعي والفكري والعلمي لأهله مما جعل أعلام هذه العائلة يتدخلون لإعادة إحياء دور العلم والعلماء في إصلاح المجتمع وتوحيد صفوف المسلمين في وقت عرف فيه المغرب نوعا من الفوضى المتمثلة في ظهور عدة تيارات متناحرة عن الحكم أدت به إلى الدخول في مرحلة من الضعف وعدم الاستقرار السياسي. سعت الأسرة الفاسية الفهرية نظرا إلى صعوبة الظرفية التي يمر بها المغرب إلى البحث عن حليف آخر من دون الحكام لإتمام المشاريع العلمية والعمل على نشر العلم وتكوين العلماء ففكرت في إنشاء تحالفات عائلية مع النخبة الأرستقراطية المتمثلة في التجار والأغنياء من أهل فاس واستدراجهم للتطوع في نشر رسالة العلم كتلك العلاقة التي أسسها أبو المحاسن يوسف الفاسي الفهري مع أعيان عائلة العبدلاوي معن الأندلسي وشخصيا مع الشيخ سيدي محمد بن عبد الله معن الأندلسي الذي كان له الدور الكبير في تمويل المشاريع العلمية لهذه العائلة كما جاء مفصلا في كتاب المقصد الأحمدي لمولاي عبد السلام بن الطيب القادري الحسني وكتاب مرآة المحاسن وغيره من المصادر التاريخية لتلك الحقبة من تاريخ المغرب فقد كان سيدي محمد بن عبد الله معن الأندلسي يعمل على تمويل آل الفاسي الفهري بماله ونفسه والوقوف عند كل ما تؤول إليه الحاجة من مأكل ومسكن وتجهيز للطلبة والوقوف عند حاجاتهم بل وتعداه إلى أمور أخرى حيث تكفل العبدلاويون بإحداث روضة لآل الفاسي الفهري بأعلى خارج باب الفتوح تكريما لقدرهم وتشييد ضريح سيدي يوسف الفاسي بها وبناء قبة على قبره كما جاء في مصادر كثيرة.
لقد استطاعت هذه العائلة أن تنجب العديد من العلماء الجهابذة والأساتذة الأفاضل والقضاة البارزين والعدول المبرزين والمؤلفين البارعين الذين ساهموا في جميع المجالات المعرفية وتركوا بصماتهم خالدة في سجل تاريخ المغرب الفكري والأدبي.
أهلا بعلال الفاسي
ولد علال الفاسي بفاس في 8 محرم عام 1328 هـ(1910) ولما وصل إلى سن التمييز أدخله والده إلى الكتاب لتلقي مبادئ الكتابة والقراءة، وحفظ القرآن الكريم على الفقيه محمد الخمسي الذي حباه الله تعالى بالخط الجميل البارع وعلى الفقيه محمد العلمي، إلى أن حفظه في سن مبكرة، وبعد ذلك نقله والده إلى المدرسة العربية الحرة الواقعة بحي القلقليين بفاس القديم ليتعلم مبادئ الدين وقواعد اللغة العربية، حيث كان محل عناية فائقة خاصة عنده لكونه الولد الوحيد الذي وهبه الله له، وكان أمله الكبير أن يتخرج عالما من علماء المغرب الأفذاذ، وقد حقق الله تعالى رجاءه فكان مبرزا على أقرانه، مفخرة أسرته، بل مفخرة القرويين والمغرب، علما ونبوغا وذكاء وعبقرية ووطنية صادقة ومقاومة مستميتة، وكان من جملة القائمين بالتدريس في تلك المؤسسة التعليمية ابن عمه الأستاذ الخطيب عبد السلام بن عبد الله الفاسي.
في التعليم العالي
في عام 1338 هـ التحق بجامع القرويين العامر للارتواء من ينابيعه المتدفقة وجداوله الفياضة الزاخرة، فقرأ على الشريف الفقيه محمد بن العربي العلوي المختصر بشرح الدردير، والتحفة بشرح الشيخ التاودي بن سودة، وجمع الجوامع بشرح المحلي، والكامل في الأدب للمبرد، ومقامات الحريري، وعيون الأخبار لابن قتيبة.
قرأ على الشريف المفتي الحسين العراقي الألفية بشرح المكودي، والتفسير، وعلى القاضي أحمد بن المامون البلغيثي أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي، وعلى محمد بن عبد المجيد أقصبي كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وعلى القاضي عبد الله الفضيلي جمع الجوامع بشرح المحلي، والمختصر بشرح الزرقاني، والخرشي والرهوني وبناني، وعلى الفقيه الرباني أحمد العمراني والفقيه الشيخ أبي شعيب الدكالي صحيح الإمام البخاري، وعلى الفقيه محمد بن عبد الرحمن العراقي ألفية ابن مالك والاستعارة، وعلى الفقيه المعقولي القاضي العباس بناني منظومة السلم بشرح الشيخ بناني، وعلى الفقيه المحدث محمد بن الحاج السلمي التفسير، وعلى الفقيه محمد بن حعفر الكتاني دروسا من مسند الإمام أحمد بن حنبل، وسرد الكتب الستة على أبيه وعمه القاضي عبد الله الفاسي. وعلى الشريف السلفي علي الدرقاوي زاد المعاد في هدي خير العباد، وأدب الدنيا والدين، والشمائل المحمدية، وتابع دراسته إلى أن انتهى الموسم الدراسي فظفر بالفوز مكللا بأكاليل النجاح حاصلا على الشهادة العالمية، وبعد التخرج صار يقوم بدروس تطوعية في مختلف العلوم بجامع القرويين.
الوزارة
في عام 1380 هـ عين وزيرا للدولة مكلفا بالشؤون الإسلامية ثم انسحب من الحكومة صحبة رفاقه في حزب الاستقلال وذلك في عام 1382 هـ وعين أستاذا بكلية الشريعة التابعة لجامعة القرويين بظهر المهراز وكليتي الحقوق والآداب لجامعة محمد الخامس بالرباط، وبدار الحديث الحسنية بنفس المدينة، وكان عضوا مقررا عاما في لجنة مدونة الفقه الإسلامي التي شكلت في فجر الاستقلال.
أجيز من قبل والده وعمه الفقيه عبد الله الفاسي وشيخيه العلامتين أبي شعيب الدكالي و محمد بن جعفر الكتاني، إجازة رواية كتابية.
من مؤلفاته
خلف كثيرا من المؤلفات في شتى الموضوعات منها:
1.العودة إلى اسبانية
2.الحماية في مراكش ممن الوجهتين التاريخية والقانونية.
3.الحركات الاستقلالية في المغرب العربي.
4.السياسة البربرية في المغرب: عناصرها ومظاهر تطبيقها.
5.النقد الذاتي.
6.المغرب العربي من الحرب العالمية الأولى إلى اليوم.
7.حديث المغرب في المشرق.
8.عقيدة وجهاد.
9.منهج الاستقلالية.
10. مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها.
11. دفاع عن الشريعة.
12. الجواب الصحيح والنصح الخالص في نازلة فاس وما يتعلق بمبدإ الشهور الإسلامية العربية.
13. معركة اليوم والغد.
14. كيلا ننسى.
15. محاضرتان عن مهمة علماء الإسلام.
16. المثل الأعلى في الصدق والثبات وحسن الإنابة.
17. نضالية الإمام مالك ورجال مذهبه.
18. واقع العالم الإسلامي.
19. الإنسية المغربية.
20. صحراء المغرب المغتصبة.
21. الإسلام وتحديات العصر.
22. دفاعا عن الأصالة.
23. في المذاهب الاقتصادية.
24. لفظ العبادة: هل يصح إطلاقه لغير الله.
25. مجموعة أبحاث في الأدب والإجتماع.
26. هل الإنسان في حاجة إلى الفلسفة ؟.
27. تاريخ التشريع الإسلامي.
28. شرح مدونة الأحوال الشخصية.
29. بحث مفصل عن النظريات الفلسفية المختلفة ومقابلتها بالحرية الإسلامية.
30. مستندات لتاريخ المقاومة المغربية.
هذا زيادة على مجموعة أخرى من الخطب والمحاضرات والمذكرات السياسية والقصائد الشعرية والبحوث والمقالات المنشورة في أمهات الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات الدورية. كما أصدر مجلة "البينة"، وجريدة "صحراء المغرب"، و"الحسنى"، كما خط قلمه مجموعة من الكتب باللغة الفرنسية.
أسهم بنصيبه في ميدان الشعر الفسيح ونبغ في قرضه في سن مبكرة فنظم كثيرا من القصائد الطوال والمقطعات والأراجيز في مختلف الموضوعات، من دينية وسياسية واجتماعية وتاريخية ووطنية ثائرة وحماسية نارية مما أهله لأن يلقب بحق وعن جدارة شاعر الشباب، ويتوج بتاجه الرفيع. يقول في قصيدة "إما حياة وإما ممات
علال الفاسي: المسار السياسي للزعيم علال الفاسي
منذ
تقرير مؤتمر 1960 بسط علال الفاسي بوضوح أن الوسيلة الوحيدة لبناء الدولة
الديموقراطية العصرية هي تحقيق الديموقراطية النيابية في ظل ملكية
دستورية
في إطار تخليد الذكرى المأوية لميلاد زعيم التحرير علال الفاسي ،
تنشر جريدة العلم أسبوعيا مقالات تتناول جوانب من حياة وفكر الزعيم
الراحل علال
الفاسي الذي ترك؛ بصماته واضحة في الغكر المغربي بكل تشعباتهالفكرية
، والسياسية
واالإجتماعية.
وننشر اليوم العرض الذي قدمه الأستاذ محمد العربي المساري في
موضوع المسار السياسي للزعيم علال الفاسي وذلك في الندوة التي نظمها
مركز طارق بن
زياد بالرباط يومي 19 و20 مارس 2010 في موضوع السلطة العلمية
والسلطة السياسية
بالمغارب: الاختلاف والمحنة. وذلك بمشاركة باحثين من الجزائر وتونس
ومختلف الجامعات
المغربية، من الرباط والمحمدية ومراكش وفاس ووجدة. وذلك في جلسة
قدمت فيها عروض عن
كل من محمد حسن الوزاني وعبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة وعبد
الرحيم بوعبيد.
وفيما يلي العرض الذي قدمه الأستاذ محمد العربي المساري
الزعيم علال الفاسي
بعد رجوعه من منفاه بالكابون سنة 1946 وبمعيته كريمته ليلى وقد أحاط
به أعضاء من
اللجنة التنفيذية لحزب الإستقلال
علال الفاسي إزاء الشأن العام فيما
بين
1959
و1974
اخترت سنة 1959 لأنها السنة التي تولى فيها علال الفاسي مقاليد
الحزب بشكل كلي ومباشر، بعد أن كان قبل ذلك يتصدر مركز الزعامة
المعنوية ضمن قيادة
متعددة الرؤوس لحزب الاستقلال كما كان قائما حتى 25 يناير 1959.
ويمكن القول إن
كثيرا من المواقف التي عبر عنها علال باسم حزب الاستقلال، كانت
مطبوعة برؤيته هو
كمفكر مرجعي له عطاؤه المتميز، الموسوم باجتهادات عبر عنها في
كتاباته ودروسه في
الجامعة.
ولعل من نافلة القول التذكير بأن حضوره الأول في المجتمع كان من
خلال
إنتاجه الأدبي والفقهي، فعرف في ريعان شبابه بلقب " شاعر الشباب "
اعتبارا للقصائد
التي أنشأها منذ أواخر العشرينيات. وبمجرد حصوله على شهادة
العالمية، وهو ابن 22
عاما، أخذت حلقات دروسه في القرويين تعرف اكتظاظا يفوق ما كانت
تعرفه حلقات كبار
الأساتذة في الجامعة العريقة. وبعد ذلك نشر برفقة زميل له هو عبد
العزيز بن ادريس،
تحقيقا لمقدمة إبن خلدون اشتمل على تصحيحات مهمة لنسخة بولاق التي
كانت معروفة حتى
سنة 1936.
ولم يكن الانشغال بأمور فكرية عند علال منفصلا عن الاشتغال بالشأن
العام. وبسبب ذلك اعترضت الإدارة الاستعمارية على تسليمه شهادة
العالمية هو وزميلان
له هما محمد إبراهيم الكتاني وع. ع. ابن ادريس. وظل العالم الشاب
وزميلاه محرومين
من دبلوماتهم الجامعية، إلى أن أمر محمد الخامس تسليمها لهم بعد
استرجاع الاستقلال.
وطيلة اشتغال علال بالشأن العام كان الفكر حاضرا، ورغم ترأسه لحركة
سياسية
تتبنى مواقف جماعية، فإن الكثير من المواقف التي اتخذتها تلك الحركة
كان متأثرا
بالعطاء الشخصي للزعيم وبأفكاره. و يمكن القول إن الحزب الذي ترأسه
كان مدينا له
بشكل مباشر، حتى أن كثيرا من النبض المستمد من العطاء العلالي، أخذ
يفتقد في عمل
الحزب، بعد أن غيب الموت رئيسه المتميز.
طيلة السنوات الثلاث الأولى للاستقلال
كانت لعلال لفاسي مواقف توافقية، ولكن ابتداءا من 26 يناير 1959 قاد
بحيوية فائقة
حركة مقاومة للانشقاق المشار إليه، أدت به إلى الدخول في مواجهات
حادة مع المنشقين،
وبالذات مع الحكومة التي كانت قائمة إذ ذاك، والتي كانت ائتلافية
تضم شخصيات بدون
صفة حزبية.
وهناك كراس بعنوان " المجلس الوطني لإطارات حزب الاستقلال " يتضمن
الوثائق المصاحبة لإعلان سياسي يتعلق بما سماه علال الفاسي " انتهاء
عملية الترميم
"
أي الخطوات التنظيمية والسياسية التي قادها بإشراف مباشر لمواجهة
الانشقاق الكبير
الذي وقع في الحزب.
وحدثت من جراء تلك المواجهة صدامات عنيفة مع رفاقه
السابقين، مما أدى إلى منع الحكومة القائمة إذ ذاك لاجتماع مجلس
الإطارات المشار
إليه الذي كان مقررا أول الأمر يوم فاتح نوفمبر وتأخر إلى 29 منه.
وسبقت ذلك
اصطدامات دموية كاغتيال عبد العزيز بن ادريس وعدد آخر من الأطر، كما
قامت الحكومة
بطرد عدد من أنصار علال الفاسي من وظائفهم. وللاحتجاج على تعديل
لقانون الصحافة كان
يرمي إلى تجريم انتقاد الوزراء، قرر حزب الاستقلال احتجاب صحفه إلى
أن تم إلغاء
التعديل.
هكذا نجد علال المفكر يتحول إلى فاعل مباشر يقود مواجهة متعددة
الجوانب، جعلته يصطدم في العقدين التاليين مع قوى مختلفة في
مشاربها، وفي مجالات
متنوعة، مركزا بصفة خاصة على المطالبة بنظام نيابي وبانتخابات حرة،
وكذا حماية
الحريات النقابية والسياسية.
وهكذا تكونت لعلال الفاسي مواقف إزاء قضايا الشأن
العام في مغرب ما بعد الاستقلال، بوأته موقعا مختلفا عن السلطة
السياسية القائمة،
في عدد من المنعطفات، وبشأن عدد من النوازل الفكرية والسياسية
والاجتماعية.
وعبر علال بأشكال متنوعة عن تلك المواقف، وذلك من موقعه كرئيس لحزب
سياسي، كان
أحيانا في صف الموالاة وأغلب الوقت في موقف المعارضة.
ولابد أن تأثيره كان
مباشرا في المواقف الصارمة التي اتخذها الحزب بشان تأييد الإصلاح
الزراعي، وحماية
الحريات، ومعارضة الاعتراف بموريتانيا، فضلا عن معارضة إعلان حالة
الاستثناء، ورفض
الرقابة على الصحف، وأمور أخرى جعلته يتخذ مواقف مختلفة عن السلطة
السياسية.
وهناك إيضاح لابد منه، وهو أن معارضة علال الفاسي للسياسات المتخذة
في
الفترة المذكورة لم تخرج عن مجابهة السلطة مع حفظ اللسان فيما
يتلعق بالموقع
المركزي لمؤسسة العرش. وتعبر عن ذلك رسالة بتاريخ 17 أبريل 1957
وجهها إلى الديوان
الملكي بشأن النقاش الذي كان دائرا حول الوضع القانوني والإداري
لمنطقة طنجة في
أعقاب تصفية النظام الدولي الذي كان سائدا فيها. (أنظر " رسائل تشهد
على التاريخ
"،
ص 208) وفيها تحذير قوي من اجتهادات كانت مطروحة إذ ذاك، ودعوة
واضحة إلى وجهة نظر
كان مقتنعا بها تقوم على ضرورة إدماج المنطقة في التراب الوطني
كلية. و وردت في
ختام الرسالة عبارة لها دلالة قوية. وأريد هنا أن أركز عليها النظر
نظر لتلك
الدلالة القوية. ذلك أنه قبل الإمضاء في ذيل الرسالة حرص على أن
يكتب ما يلي:
"
المخلص على أي حال " علال الفاسي.
ولابد من تأكيد أن ما اشتملت عليه هذه
العبارة ظل هو موقفه الدائم. ولم يكن محمد الخامس و خلفه الحسن
الثاني بحاجة لمن
يؤكد لهما أن الزعيم علال الفاسي لم يضطرب في أي وقت إيمانه الثابت
بمركزية مؤسسة
العرش. والجدير بالذكر أن علال الفاسي كان يتحدث في رسائله
وتصريحاته، عن محمد
الخامس وهو في المنفى بعبارة " صاحب الأمر
".
وهأنذا أتعرض الآن لأبرز المواقف
التي اتخذها علال الفاسي مبتعدا عن الخط العام للحكومات المتعاقبة.
ففي المؤتمر
العام للحزب المنعقد في يناير 1960 تطرق علال الفاسي باستفاضة إلى
الأراضي الفلاحية
التي كانت ما تزال بيد المعمرين وأبرز الأسبقية التي يجب أن تعطى
لاسترجاعها من
خلال المفاوضات التي كانت تقوم بها الحكومة مع الطرف الفرنسي،
بالذات تمهيدا
للإصلاح الفلاحي المطروح على البلاد. ( عقيدة وجهاد، ص 78، ص 129
)
وفي " منهج
الاستقلالية " تعرض علال لجانب آخر من مشكلة الأراضي الفلاحية التي
اغتصبت من
الفلاحين المغاربة، حيث نجد في ص 90 وما بعدها تشريحا صريحا، شغل
عشر صفحات، لكيفية
امتلاك العقارات الفلاحية بالقهر في أراضي زايان، ونجده يفصل القول
في ذكر أن
الاستيلاء على تلك الأراضي تم في عهد الحماية وتكرس بعد الاستقلال.
وهو يذكر بالإسم
أن المستفيدين من ذلك هم أحفاد موحى وحمو الزياني، مثل القايد
أمهروق وأخيه بوعزة.
والجدير بالذكر أن الكتاب المشار إليه هو التقرير المذهبي الذي قدمه
زعيم الحزب
أمام المؤتمر السادس لحزب الاستقلال المنعقد في يناير 1962. وفيه
دعوة واضحة
لمقاومة الإقطاع الفلاحي الذي وجد " بكيفية مصطنعة إبان الفوضى
وأقرته الحماية
ويعمل عمله الآن في وسط إخواننا الزايانيين ". ( ص 100، المنهج).
ويشير التقرير إلى
أن هذه الممارسة كانت تتم على بعد أمتار من مرافق من الاقتصاد
العصري الذي يعترف
بدور النقابات العمالية.
وفي فترة تالية طرحت مسألة الإصلاح الزراعي على الصعيد
البرلماني حيث قدم حزب الاستقلال بشأنها مقترح قانون في برلمان 1963
ودافع علال
الفاسي عن مشروع الحزب مواجها كلا من الحكومة التي ناوءت المشروع
وكذلك المقترح
الذي تقدم به الاتحاد، وكذلك " رابطة علماء المغرب " التي سايرت
الأطروحة الرسمية
الرامية إلى معارضة الإصلاح برمته معتبرة إياه من الأمور الدخيلة
التي لا يقبلها
الإسلام.
وكتب علال الفاسي فصولا مشهودة ليبين أن الإسلام يقبل بوجود قطاع
عمومي، أي مؤمم يشمل الأراضي الفلاحية والمعادن. وهنا كان يصطدم مع
السلطة ومع
العلماء التقليديين وكبار الملاكين. أي أن مواقفه كانت فكرية
وسياسية في آن
واحد.
وقد دافع علال الفاسي عن رؤية منفتحة للمسألة الدينية، وكان حريصا
على أن
يبين أن التراث الإسلامي يستوعب النظريات الحديثة. و كان يقول إن
المطالبة
بالديموقراطيا يجب أن تنبثق من الإسلام، معتبرا أن الفكر الإغريقي،
وهو مستند
الحداثيين في الغرب، إنما كان يؤسس الديموقراطيا مفصلة على نظام
طبقي في دركه
الأسفل يوجد العبيد. وقال علال إنه من الصواب اعتبار الفكر الإغريقي
مرحلة متخلفة،
أتى بعدها الإسلام ليؤنسن الديموقراطيا، بأن يجعل الإنسان هو هدفها،
وذلك بإعلانه
المساواة بين البشر.
ومنذ تقرير مؤتمر 1960 بسط علال الفاسي بوضوح أن الوسيلة
الوحيدة لبناء الدولة الديموقراطية العصرية هي تحقيق الديموقراطية
النيابية في ظل
ملكية دستورية. ونجد التعبير عن ذلك في " معركة اليوم والغد " وهو
التقرير الذي
قدمه لمؤتمر حزب الاستقلال المنعقد في فبراير 1965 حيث شرح أسباب
إرجاء العمل
بالديموقراطية منذ استرجاع الاستقلال (ص 51 وما بعدها) وفي هذا
السياق كان معارضا
لإعلان حالة الاستثناء في يونيو 1965. وحينما قبل أحد القادة
المؤسسين لحزب منصب
وزير الثقافة فرض عليه علال أن يتنحى من قيادة الحزب لأن ذلك يتنافى
مع معارضة
إعلان حالة الاستثناء.
وفي المرجع المشار إليه تفاصيل عن أسباب التعثر وعن
مقترحات كفيلة باستعادة وحدة القوى الحية من حول مؤسسة العرش. ولكن
كل ذلك بقي
مستبعدا وتم تهميش عمل الأحزاب الوطنية، والدخول في حالة ركود حاول
علال الفاسي
الالتفاف عليها باقتراح مجموعة من الصيغ التعبوية التي توحد
الإرادات حول مطالب
كإصلاح التعليم، والدفاع عن الحريات، واستعمل لاستعادة المبادرة
العريضة، والتجمعات
الشعبية، والبرنامج المدقق من قبيل البرنامج الثماني لتعريب
التعليم، وبالخصوص سعيه
لإعادة توحيد الحركة الوطنية في السبعينيات.
وهنا يجب أن نذكر بأن حزب
الاستقلال بقيادة علال الفاسي التزم دائما جانب التعاطف مع حزب
الاتحاد الوطني
للقوات الشعبية، في محنه، كالمحاكمات والاختطافات التي كانت تنال
مناضليه وقمع
صحفه. ولم تتبع صحافة حزب الاستقلال قاموس السلطة بالنسبة لقضايا
الاتحاد.
وذلك
رغم الاختلاف في الاستراتيجيا والتكتيك. ومن قبيل ذلك أن علال
الفاسي ترأس وفدا من
حزبه توجه إلى القصر الملكي ليعبر للملك الحسن الثاني عن تأييده
المطلق في حرب 1963
لرد العدوان الجزائري في حين أن موقف رفاق المس كان مختلفا.
وباستمرار ظل علال
الفاسي متمسكا بموقف التأييد للمؤسسة الملكية، مهما كانت حدة
المعارضة التي كان
يسلكها، مركزا على الدوام على التنديد بتزوير الانتخابات، ومهيبا في
نفس الوقت رفاق
الأمس بوحدة الصف.
وقد احتل مركز الصدارة في اهتمامات علال الفاسي الحفاظ على
راهنية مطلب الوحدة الترابية للبلاد وهو هدف ارتبط باسمه شخصيا حتى
أنه حينما وافته
المنية أصدرت جمعية هيئات المحامين بالمغرب بيانا اعتبرت فيه أن آخر
تصريح له حول
تحرير الصحراء هو بمثابة " نداء الكويت " على غرار " نداء القاهرة "
المعروف الذي
ألقاه من صوت العرب لدى نفي محمد الخامس.
وكانت مسألة الوحدة الترابية هي التي
أدت إلى مواجهة عويصة لعلال الفاسي مع السلطة السياسية، حيث عارض
خطة الاستفتاء
التي اقترحها المغرب في 1966 لتسوية الخلاف مع إسبانيا حول الصحراء.
ومن جهة
أخرى أدان علال الفاسي بقوة وهو يرثي الزعيم عبد الخالق الطريس على
قبره بتطوان في
17
مايو 1970 اتفاق تلمسان الموقع مع الجزائر والذي كرس اتفاق إيفران
المتعلق
بالأراضي الشرقية التي وقع التسليم بها للجزائر.
وجدد تصريح تطوان المشار إليه
الأزمة التي نشبت قبل ذلك في سبتمبر 1969 بمناسبة انعقاد مؤتمر
القمة الإسلامي
وحضور موريتانيا في ذلك المؤتمر على إثر اعتراف المغرب بها. وكان
احتجاجه على ذلك
الاعتراف سببا في توتر حاد نشأ في غمرة التداول بشأنه في مجلس
الحكومة، حيث دعي
الوزراء للتعقيب في اجتماع رسمي، على تصرح علال الفاسي، وفي ذلك
الاجتماع كان
الجنرال أوفقير قد اقترح إعدام علال الفاسي معربا عن استعداده
لتنفيذ الإعدام في
ظهر الجمعة أمام الجمهور.
ولابد أن نذكر بأن الموقف بخصوص الصحراء الشرقية كان
حاضرا في مؤتمر الحزب المنعقد في يناير 1960، حيث خصص التقرير
المذهبي للرئيس علال
المنشور بعنوان " عقيدة وجهاد " من ص 109 إلى ص 129 فصلا مهما
للتذكير بملف الحدود
الشرقية المطروح حينذاك مع فرنسا، علما بأن الجزائر لم تستقل إلا
بعد ثلاث سنوات.
وعلى وجه الإجمال فإن هذه النبذة تتضمن مواقف كان فيها اختلاف مع
السلطة ومع
مختلف الأطراف. ومعلوم أنه بعد التحرير اختلفت المقاربات والمناهج
حول أساليب بناء
دولة الاستقلال. وافترق الناس ما بين فئة تقول إن ذلك البناء يمكن
أن يكون بالتعاون
مع الملك. وفئة كانت تقول إن الملك يلزم أن يكون وجوبا في خدمة
مقتضيات ذلك البناء.
وفئة ثالثة كانت ترى أن ذلك البناء يمكن أن يتم ببساطة بدون الملك.
وكان علال
مع الفكرة القائلة إن البناء يمكن أن يكون مع الملك. ومن جراء هذا
الموقف رمي بأنه
كان يمينيا محافظا. وذلك في غمرة معارك أنتجت غبارا حجب الرؤية حتى
استفتاء 1996.
ومن هذا الاستعراض السريع نجد كما تقدم أن الاعتراضات التي كانت
لعلال الفاسي
على سير الأمور في مغرب الاستقلال كانت متنوعة وتناولت أمورا سياسية
واجتماعية
واقتصادية وثقافية كما أنها مست الهوية والوحدة الترابية للمغرب.
وبشر علال
بضرورة تنظيم الدولة على أساس الدستور ليتخذ النظام مضمون دولة
عصرية. وتحدث عن
التخطيط الاقتصادي الذي يرسي حقائق جديدة في جسم المجتمع. وعارض
التوجه الاقتصادي
السائد وانحدار الدولة في " سنوات الرصاص "، والارتباط التبعي
بالاستعمار الجديد.
أي أن علال الفاسي خاض معارك كانت تثير غبارا كثيفا، جعل الرجل يبدو
في صورة
الممثل التقليدي للفكر المحافظ، حتى وهو يدافع عن الإصلاح الزراعي
وعن التصنيع وعن
منع تعدد الزوجات.