الهادي شاكر

الهادي شاكر ولد عام 1908 بمدينة صفاقس بالجنوب التونسي واغتيل في 13 سبتمبر /أيلول 1953 بمدينة نابل.

 

ينحدر من عائلة من أعيان صفاقس، إذ كان والده الحاج محمود شاكر من أكبر تجار الجملة بالمدينة.

درس بمسقط رأسه ثم اتجه إلى تونس العاصمة حيث أحرز على دبلوم التجارة من المدرسة العلوية.

بدأ الهادي شاكر حياته السياسية في مطلع الثلاثينات إذ كان أحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري الجديد عام 1934 وممثله بمدينة صفاقس بعد ذلك. ثم ونتيجة تحركاته في الاحتجاج على اعتقال زعماء الحزب في سبتمبر 1934، ألقي عليه القبض في جانفي/كانون الثاني 1935 ونفي إلى مطماطة ثم برج البوف، ولم يطلق سراحه إلا في ربيع عام 1936.

كما ألقي عليه القبض غداة أحداث أفريل /نيسان 1938، ونفي إلى تبرسق ثم سجن سان نيكولا مع أبرز زعماء الحزب الدستوري الجديد، وأطلق سراحه في عام 1943. فعاد إلى سالف نشاطه الوطني ليترأس الشعبة الدستورية بمسقط رأسه وأيضا الجامعة الدستورية

ترأس المؤتمر الرابع للحزب الدستوري الجديد الذي انعقد في السرية يوم 18 جانفي/كانون الثاني 1952 ، وهو نفس اليوم الذي ألقي فيه القبض على رئيس الحزب الحبيب بورقيبة . وما لبث أن ألقي عليه القبض هو أيضا ونفي إلى طبرقة ثم رمادة فجربة فتطاوين. وغادر السجن في ماي /أيار 1953 ليقع إبعاده إلى نابل.

اغتيل الهادي شاكر وهو في منفاه بمدينة نابل في 13 سبتمبر/أيلول 1953. وكانت المجموعة المنفذة للاغتيال هي عصابة تونسية بمعية فرنسيين وكان الهدف الظاهر من تلك العملية الثأر من اغتيال أحد أقاربها وهو الشيخ أحمد بالقروي. إلا أن أغلب الظن أن المحرك الفعلي لتلك المجموعة هي عصابة اليد الحمراء الفرنسية وعلى رأس المحرضين المراقب المدني الفرنسي بصفاقس آنذاك غانتاس.

تخليدا لذكراه أطلق اسمه على أنهج وشوراع وساحات عامة بمختلف مدن البلاد وعلى العديد من المؤسسات ومن أهمها: المستشفى الجامعي بصفاقس، ومعهد ثانوي بنفس المدينة، ومدرسة بمكثر.

ت

مراجع

الهادي شاكر وحياته السياسية

1/ مفهوم الاغتيال السياسي:

يمثل الاغتيال السياسي أحد أكثر الوسائل إجراما لأنه يحاكم المتهم بالجريمة دون هيئة قضائية ودون أن يمنح حق الدفاع عن نفسه ، و القاعدة القضائية تقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.لكن الاغتيال السياسي يحكم أفراده وينفذون حكمهم دون أية إمكانية للمتهم أن يبدي رأيه في التهمة المنسوبة إليه

و مهما كانت جهة التي تقوم بهذه الأعمال يظل الاغتيال في نظرنا تعديا علي حقوق الإنسان . فقد اعتمدت العديد من الحركات التحريرية هذا الأسلوب لتصفية من تتهمهم بالتعامل مع الأعداء آو الخونة وحتى من رفاق السلاح.

كما استخدم هذا الأسلوب من قبل الدول وخاصة الدول الاستعمارية لتصفية القادة والناشطين السياسيين والعسكريين عندما فشلت في الحد من نشاطهم بالطرق القانونية، وكانت تعتمد في تنفيذ هذه الأعمال علي بعض العناصر المحلية التي تجندها لخدمة مصالحها عن طريق إغرائها بالمال وبعض الامتيازات لتصبح موالية لها وتتنكر لأوطانها ولأبناء جلدتها، وكان الاستعمار الفرنسي يعتمد هذا الأسلوب من خلال تشكيله لعصابات من المعمرين والموظفين الفرنسيين ، و بعض العناصر المحلية الموالية له، وهما العنصران اللذان يرفضون استقلال البلاد لأنه لا يصب في خدمة مصالحهم.

فالمعمرون سوف يفقدون المزارع والضيعات الواسع،ة والمصانع التي تم منحها لهم، وما نالهم في البلاد نتيجة الامتيازات والتسهيلات الممنوحة لهم، والعناصر المحلية الموالية سوف تفقد بعض الامتيازات البسيطة كالوظائف أو بعض الأملاك التي حصلوا عليها بالطرق الغير مشروعة أي عن طريق الخدمات التي يقدمونها للاستعمار مقابل خيانتهم لأوطانهم ، وهو من الفتات إزاء ما كان يناله المستعمرون. وعمدت حكومات عديدة بعد استقلال بلادها إلى تصفية معارضيها كما حصل مع الشهيد صالح بن يوسف.

2/ أسباب اغتيال الهادي شاكر:

عرف عن الهادي شاكر انخراطه المبكر في صفوف الحركة الوطنية وبحماسه الشديد وعدم مبالاته بالإخطار فرغم انتمائه لعائلة ميسورة من مدينة صفاقس التي قدمت العديد من الرجالات للحركة الوطنية ، والتي تولت دون غيرها من المدن منع القوات الفرنسية لعدة أسابيع من دخول المدينة بعد معاهدة باردو وقاومت مقاومة الأبطال.

فقد يعمل في ميدان التجارة بالجملة، ولكنه لم يكن من بين الذين يحسبون الربح والخسارة في القضايا الوطنية، بل انه كان شديد الحماسة إلي حد المجازفة بمصالحه وحياته في سبيل الوطن، فقد وصفته تقارير البوليس الفرنسي سنة 1952 – بأنه من أكثر المثيرين للمشاكل في منطقة صفاقس وغيرها وامتد نشاطه إلى كل أنحاء البلاد، وهو ما دفعها لاتقاء نشاطه القبض عليه ، بعدما فشلت في إثنائه بمختلف الوسائل، وكان دوره متميزا في تأجيج المشاعر الوطنية ، خاصة دوره في تنسيق زيارة الزعيم الحبيب بورقيبة إلي المنطقة أواخر ،1949 وما لقيته هذه الزيارة من نجاح والتفاف شعبي حول الزعيم بورقيبة، وهو ما جعل الأوساط المناوئة للحركة الوطنية تنزعج، وتبدي استياءها وخاصة الجالية الفرنسية بصفاقس، التي أطلقت صيحة فزع واحتجاج في اتجاه السلطة الاستعمارية ، ووجهت الاحتجاجات علي تصرفات الهادي شاكر، وكان استنتاج الأوساط الاستعمارية : إن مستقبل الأيام لا يبشر بخير بالنسبة للوجود الفرنسي واستمراره علي الأراضي التونسية .

فنشاط الهادي شاكر لم يقتصر علي التحريض السياسي، بل تعداه إلي محاولته الإعداد للمرحلة القادمة، وهي الثورة المسلحة لذلك بدا يعد العدة لهذه المرحلة من خلال تجميع الأسلحة، وتكوين عناصر قادرة علي صنع المفرقعات، وقد تفطنت السلطات الاستعمارية لخطورة هذه الخطوة، من خلال بعض التفجيرات التي وقعت بمدينة صفاقس سنة 1952 ، والتي استهدفت بعض الجسور ومحولات الكهرباء والمنشئات الاستعمارية، وقد امتد استخدام هذه المتفجرات إلي العاصمة بعد القبض علي خلية العروسي بن إبراهيم، والتي تحصلت علي هذه المفرقعات من مجموعة الهادي شاكر .

فلم يكن أمام السلطة الاستعمارية إلي القبض علي الهادي شاكر، ونفيه إلي طبرقة ومن ثم إلي رمادة، ومن بعدها الحكم عليه بالإقامة الجبرية بمدينة نابل التي سوف يتعرض فيها للاغتيال غدرا. وهو في حراسة السلطات الفرنسية المسؤولة عن أمنه وحياته، باعتباره غير حر في تنقلاته وتحت الإقامة الجبرية في المكان الذي حددته له ومن المفروض أن تحرسه.

لم يكن الإبعاد والسجن بحق القيادة الدستورية، كافيا حسب الاستعمار وأعوانه للقضاء علي الحركة الوطنية، بل كان لا بد من خطة رديفة لان القوي الاستعمارية أدركت بأنه لا سبيل للسيطرة علي الوضع القائم، دون استخدام وسائل جديدة، تتمثل في ترهيب الوطنيين من اجل إثنائهم علي مشروعهم ، وكان الاغتيال السياسي احد تلك الوسائل، ولم يكن الوطنيون أقل عزيمة وإصرارا ،من أعدائهم علي ربح معركة المصير، وكانت بعض العناصر الوطنية بدورها لا تتورع عن استخدام أسلوب الترهيب تجاه بعض الزعامات الموالية للاستعمار .

فقد كانت هذه العناصر الوطنية تخطط هي بدورها لضرب راس الحية في المنطقة، وقد وقع الاختيار علي الشيخ احمد بالقروي المعروف بمجاهرته وسيره في ركب الاستعمار، هو وصديقه الصادق عمار، الذين ترشحا لانتخابات المجلس البلدي الذي ناد الحزب بمقاطعتها، هذه الانتخابات التي لم تعرف اقبالا من قبل المواطنين ، فلم يذهب للتصويت فيها سوى 3 في المائة من الجسم الإنتخابي،وهو ما يدل علي تأثير حزب الدستور في تلك المرحلة، التي كانت تمر فيها الحركة الوطنية بأوج نشاطه.

كانت القضية التونسية تمر بمرحلة حساسة علي المستويين الوطني والدولي في تلك الفترة الحرجة،و كان كل من الشيخ احمد بالقروي والصادق عمار قد قاما بزيارة فرنسا وبريطانيا العظمى ، وحضرا باسم تونس (؟) موكب تنصيب الملكة إليزابيث على العرش البريطاني، ، وقد تهجما في باريس ولندن علي الحركة الوطنية وزعمائها ،بل إنهما لم يكتفيا بذلك و بتشجيع وتحريض من المستعمر، شكلا عصابة لترهيب الوطنيين والاعتداء علي ممتلكاتهم، كانت تنال العون والمساندة وحتى المشاركة من قبل الجهات الفرنسية المتنفذة، وهو ما عجل بنهاية الشيخ بالقروي، الذي كانت عملية اغتياله لا تخلو من غرابة، فلم يتم اتخاذ قرار في شأنها من قبل القيادة الوطنية، ولا من القيادة المحلية ولم يكن الهادي شاكر أو غيره يعلم بها، بل تم التخطيط لها من خلية نائمة، لا يتعدي عدد أفرادها الثلاثة بين مخطط ومنفذ، وفيها الكثير من الذاتية، فالذي أقدم علي اغتيال الشيخ بلقروي سبق وان خدم في صفوف الجيش الفرنسي، وحارب تحت العلم الفرنسي في الحرب العالمية الثانية وفي فيتنام ، ولكنه كان وطنيا حتى النخاع، فبعد تسريحه من الخدمة العسكرية كان يعتقد أنه سيجازى بعمل يقتات منه ، لكن رعونة المراقب المدني بصفاقس أبعدته عن مثل ذلك التفكير ، فاعتبر أن عرض المراقب غنتاس مهين ، إذ طلب منه أن يكون مخبرا ، عن إخوانه التونسيين،وإزاء ذلك كان على استعداد للقيام بأي عمل يثبت به وطنيته، ولم تتطلب عملية اغتيال الشيخ بالقروي تخطيطا كبيرا ، ولا إمكانيات لان منفذ عملية الاغتيال محمد بن رمضان كان يحذق استخدام السلاح ولم يكن يحتاج إلا لمسدس ليفرغه في جسم الخائن، علي مرآي من أعوانه الذين كانوا علي درجة من الجبن كبيرة ، ولم يحرك أحد منهم ساكنا، ليخرج منفذ العملية وينصرف في حال سبيله، مستغلا جهل الحاضرين لشخصيته . لكن عائلة بالقروي لم تكن لتسكت عن ذلك، خاصة عندما وجدت من يشجعها ويحرضها ويدفعها متمثلا في شخص الممثل الفرنسي المراقب العام بصفاقس غانتاس . وقد عقدت هذه العائلة عدة اجتماعات منفردة وأخرى بحضور المراقب المدني الفرنسي الذي كان يلعب دور المحرض والمحفز، ووقع الاختيار علي الهادي شاكر لما يمثله من مكانة في الجهة وعلى المستوى الوطني، وبدا الإعداد للمؤامرة التي حبكت خيوطها عصابة عائلة بالقروي بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الفرنسية، من مراقب مدني فرنسي بصفاقس، وزميله المراقب المدني بنابل، وكل من قيادة فرعي الجندرمة الدرك - بكل من الحمامات ونابل و بالطبع صفاقس، وهي القيادات التي قدمت التسهيلات الضرورية، من توفير الحماية، والمفرقعات التي استخدمت في نسف البوابة الخارجية لمنزل الهادي شاكر، إضافة إلي مشاركة عناصر من الجندرمة الفرنسية في القتل .

3/ تنفيذ العملية وتعاون عناصر الجندرمة :

في الليلة الفاصلة ما بين 12/13 سبتمبر 1953 انطلقت سيارتان من نوع "سيتروان تراكسيون" من قصر الريح المتواجد علي بعد 45 كلم شمال صفاقس، وفي بلدة "بوثدي" التحقت بهما سيارة تابعة للجندرمة ، وفتحت لها الطريق حتى نابل، وهكذا استطاعت العصابة من المجرمين ،قطع حوالي 200 كلم دون أن يوقفها احد من الجيش أو من الجندرمة التي كانت تحاصر البلاد بأكملها ، وكانت خاضعة أي البلاد أيامها بالكامل لحلة حصار وطوارئ، ومنع للجولان ليلا

وصل الركب إلي مسكن الهادي شاكر، حوالي الساعة الثانية صباحا، وقد قاده إليه الأدلة من الجندرمة الفرنسية ، وتشاء الأقدار أن يرفض هذا المناضل كل التحذيرات من إخوته، الذين طلبوا منه تغيير المنزل بعد أن تسربت بعض المعلومات عن عملية الاغتيال المحتملة، وأن يرفض ما عرضه أصدقاؤه ورفاقه من توفير حراسة.

وقد حاول أعضاء العصابة استخدام الخديعة ، من خلال إيهامه بأنهم يمثلون السلطة المحلية، ولكنه انتبه للخديعة ورفض أن ينزل إلي الطابق السفلي ويفتح لهم البوابة، وعندها استخدم عناصر العصابة الخطة البديلة، وطلبوا من أفراد الجندرمة الذين جلبوهم معهم استخدام المتفجرات، لتفجير البوابة الحديدية، وتمكنوا بالتالي من الولوج إلي مسكن الهادي شاكر، وبعد أن روعوا أبناءه الصغار واعتدوا عليهم ، قاموا بجر المستهدف بخطفه وبأخذه معهم عنوة ، لينفذوا فيه حكم الإعدام ، دون محاكمة ودون ان يكون على علم بمن قتل شيخهم، ثم وبعد أن تولوا القيام بعملهم الدنيء، رموا بجثة الهادي شاكر علي قارعة الطريق، بعد أن عرضوها لوابل من الرصاص وتولى تلك العملية عناصر من الجندرمة الفرنسية، وأفراد عائلة بالقروي الذين أعمي عيونهم حقد الثأر والانتقام، وبعد أن تم استغلالهم وتضليلهم من قبل المراقب المدني غانتاس المهندس الفعلي للاغتيال.

وعاد أفراد العصابة بعد ذلك إلي قصر الريح للاحتفال بنصرهم اللا مبين، فلم يكن أبناء عائلة بالقروي سوي أدوات استخدمت لتنفيذ الجريمة البشعة وإن لم يقلل ذلك من بشاعة جريمتهم. .

و تم تشييع جنازة الهادي شاكر وسط عرس وطني وسار عشرات الآلاف وراء نعشه، علي عكس الشيخ بالقروي، الذي لم يجد من يسير وراء نعشه سوى أفراد قلائل.

4/ كشف خيوط العملية ومحاكمة بعض الجناة:

لكن للتاريخ أحكامه، فالتاريخ لا يرحم ، وليتم كشف العملية شاءت الأقدار أن يستيقظ ضمير احد الشهود، علي عملية الاغتيال ، وهو احد الكادحين الذين كانوا يعملون عند عائلة بالقروي، ومن بين العناصر التي تم استخدامهم في الموكب الذي انتقل من قصر الريح إلى نابل، وهذا الشخص الذي أكد بأنه منذ أن شارك "مكرها" في الرحلة إلي نابل، والتي انتهت بالاغتيال وهو "لا يعرف هدوء البال ويعيش عرضة لازمات عصبية عنيفة "، وإنه "لكي يتحرر من الكابوس" قرر إن يجري اتصالا بالسلطات المحلية ومصارحتها بالحقيقة مهما كان الثمن.

يقول هذا الشخص إنه شعر بالتحرر من الاستعمار، ومن استعباد تلك العائلة التي أجبرته علي المشاركة في جريمة بشعة ،غصبا عنه فأطلق لسانه واستجاب لضميره، وكشف أطوار الجريمة بكل تفاصيلها، كما كشف أسماء الجناة واحدا واحدا، وبناء علي ذلك تمت محاكمة العناصر المحلية، التي شاركت في الجريمة، ونال كل واحد العقاب الذي يستحقه في الدنيا .

ولكن المفارقة تكمن في أن المحاكمة لم تطل أي من الفرنسيين سواء من خطط ومد السلاح، مثل المراقب المدني غانتاس، أو من شارك في التنفيذ من عناصر الجندرمة، أو من ساعد بصورة أو بأخرى مثل المراقب المدني بنابل، أو قيادة الجندرمة بنابل والحمامات، فهل يكون هؤلاء فوق القانون ، مع أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم ،غير أن المحكمة لم يكن بإمكانها محاكمتهم ،لأنها كانت تتلقي أوامرها من سلطة ارفع منها.

وقد أفلت الفرنسيون فاعلين أو شهود من قبضة العدالة.